عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
45
اللباب في علوم الكتاب
الجسمين إلى الآخر بحيث يماسّه بمسطحه ، يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسّه ، واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجسمين المدركين سببا لحصول الإدراك بحيث لا يمتنع إجراء اللفظ عليه ، وجب حمله على الإدراك ؛ لأن إطلاق لفظ السبب على معنى المسبّب من أقوى وجوه المجاز ، فثبت أنه يجب حمل لفظ اللّقاء على الإدراك [ أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصّور بدليل يخصه ، فوجب إجراؤه على الإدراك ] « 1 » في البواقي . وعلى هذا التقرير زالت السّؤالات . وأما قوله : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً [ التوبة : 77 ] الآية . قلنا : لأجل الضرورة ؛ لأن المراد : إلى يوم يلقون جزاءه وحكمه ، والإضمار على خلاف الدليل ، فلا يصار إليه إلّا عند الضرورة . وأما قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فلا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ، ويمكن أن يقال ملاقاة كل أحد بحسبه ، فالمؤمن من يلقى اللّه ، وهو عنه راض ، فيثيبه ، وينعم عليه بأنواع النعم . والكافر والحالف الكاذب يلقى اللّه ، وهو عليه غضبان ، فيعذبه بأنواع العقاب ، كما أن خاصّة الأمير يلقون الأمير ، وهو راض عنهم ، فيعطيهم وينعم عليهم ، وأما اللّص وقاطع الطريق إذا لقوا الأمير عاقبهم ، وقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم بما استحقوا ، وشتّان بين اللقاءين . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 47 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) أعاد الكلام توكيدا للحجّة عليهم ، وتحذيرا من ترك اتباع محمد عليه الصلاة والسلام . قوله : « وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ » « أن » وما في حيّزها في محلّ نصب لعطفها على المنصوب في قوله : « اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ » أي : اذكروا نعمتي وتفضيلي إيّاكم ، والجار متعلّق به ، وهذا من باب عطف الخاصّ على العام ؛ لأن النعمة تشمل التّفضيل . والفضل : الزيادة في الخير ، واستعماله في الأصل التعدّي ب « على » ، وقد يتعدّى ب « عن » إمّا على التضمين ، وإما على التجوّز في الحذف ؛ كقوله : [ البسيط ] 460 - لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب * عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني « 2 »
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) البيت لذي الإصبع العدواني ينظر أدب الكاتب : ص 513 ، والأزهية : ص 279 ، وخزانة الأدب : 7 / 173 ، 177 ، 184 ، 186 ، والدرر 4 / 143 ، ولسان العرب ( فضل ) ، ( دين ) ، والمقاصد النحوية : 3 / 286 ، ومغني اللبيب : 1 / 147 ، وسمط اللآلي : ص 289 ، والأغاني : 3 / 108 ، وإصلاح المنطق : ص 373 ، وأمالي المرتضى : 1 / 252 ، وجمهرة اللغة : ص 596 ، وشرح التصريح : 2 / 15 ، وشرح شواهد المغني : 1 / 430 ، والمؤتلف والمختلف : ص 118 ، ولكعب الغنوي في الأزهية : ص 97 ، والأشباه والنظائر : 1 / 263 ، 2 / 121 ، 303 ، والإنصاف : 1 / 394 ، الدر المصون : 1 / 213 .